اللباقة فن وذوق راقٍ




لن تكون لبقا في الافعال ما لم تكن لبقا في الحديث والكلام
لأن الكلام أفضل ما يخرج منا للتعبير عن ذواتنا وما بداخلنا.

لذا فإن كثيرا من المواقف التي يكون وضع الإنسان فيها محرجا لايخرجه منها غير لباقته في الكلام.

************************************

تأمل معي هذا الموقف الصعب لمفسر الاحلام :



رأى أحد الملوك في منامه رؤيا أزعجته
استدعى لتفسيرها كثيرا من مفسري الأحلام
فقد رأى بأن أسنانه تساقطت كلها واحدة تلوالأخرى وأنه أصبح لا يملك سنا ولا ضرسا ولا ثنايا.

فزع وخاف وخشي أن مكروها سيصيبه فاستدعى الكثير من المفسرين إلا أنهم لا يجيدون اللباقة في الحديث مطلقا
(يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون)

فقال الأول :إن جميع أقاربك يموتون قبلك وستظل وحيدا تبكي على قبورهم..
استشاط الملك غضبا وأمر بقتله وكأنه يقول له
(جئت بك تفسر حلمي أم تحطم كل أحلامي)
وطارت رؤوس كثير من المفسرين لأنهم أجمعوا على تأويل الرؤيا بهذه الصيغة

اما المفسر الاخيرفهو يختلف عن البقية كلهم لأنه يجيد فن قراءة الأفكاروتغيير محتوى الحديث والكلام إلى شيء يستسيغه السامع ويعشقه.

فقال للملك - وهو يبتسم - أطال الله عمرك هذه الرؤيا تدل دلالة واضحة بأنك أطول أهلك عمرا وأنك سترى أحفادك إن شاء الله

تبسم الملك وسر لهذا القول سرورا كبيرا وأمر بجائزة كبيرة للمفسر.
لقد رجع غانما روحه وبجائزة من الملك للباقته.

************************************




اللباقة فن يمكننا أن نتعلمه بسهولة وأقصر الطرق وهي :

1- مخالطة كبار السن :الذين عركتهم الحياة وعلمتهم التجارب وكابدوا الحياة بمافيها،
ومخالطة أهل العلم: الذين ينقلون لك أخبار من مضى وقصص الأنبياء وأولياء الله الصالحين لتزداد معرفة وتنهل علما وزادا ويسهل عليك حينها الاقتفاء والإتباع
(أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده)

2- الاستفادة من دروس الحياة اليومية التي نكابدها ونعاني أحداثها وأيامها وأكثر مدرسة يمكننا الاستفادة منها هي(الحياة) ومن المستحيل أن تتعلم شيئا تقرأه في الكتب من دون أن يكون له في أرض الواقع والحياة وجود.


************************************

أختم حديثي هذا بهذه القصة في غابة الحيوانات.


كان الأسد والذئب والثعلب قد تصادقوا وأصبحوا سمن على عسل كما يقال ..
فخرجوا يوما للصيد فحصل كل منهم على فريسة وجمعوا فرائسهم في مكان واحد ليقتسموها
فكان مما لديهم(( جاموس وغزال وأرنب ))

أمر الأسد الذئب أن يقسم بينهم،
فقال الذئب: القضية محسومة والفرائس قد قسمت نفسها بنفسها ،
أنت ياملك الغابة لك الجاموس،
وأنا لي الغزال،
والثعلب له الأرنب،

غضب الأسد من هذه القسمة وهوى بيده على وجه الذئب فضربه ضربة جعلته ينصرع،
والتفت نحو الثعلب قائلا:اقسم بيننا
وكان الثعلب لبق خبيث،
فالتفت الثعلب وقال مبتسما:القضية سهلة يا ملك الغابة..
أشار الأسد مستفهما كيف؟؟!!
قال الثعلب:الجاموس غدائك،
والغزال عشائك،
والأرنب تاكله بينهما.
فرح الأسد كثيرا بهذه القسمة العادلة
وقال متسائلا:من علمك هذه الحكمة أيها الثعلب؟
نظر الثعلب نحو الذئب الصريع وأشار إليه قائلا علمني درس هذا.

************************************



فالحياة دروس وعبر ..

وعلينا أن نستفيد من العبر لا أن نكون نحن العبر.